مؤتمر المناخ COP28 يقر صندوقاً لمعالجة الخسائر والأضرار

أعلن مؤتمر المناخ COP28 في دبي موافقته على إنشاء صندوق مخصص لمساعدة الدول النامية التي تتعرض لخسائر وأضرار مرتبطة بتغير المناخ، في خطوة اعتُبرت تحولاً مهماً داخل مفاوضات المناخ الدولية. وجاء القرار في اليوم الأول من أعمال المؤتمر، بعد سنوات طويلة من المطالبات بآلية تمويل تعالج آثار الكوارث المناخية التي تتجاوز قدرة المجتمعات على التكيف.

يمس الصندوق قضايا واسعة، من الفيضانات والأعاصير وارتفاع مستوى البحار إلى موجات الجفاف وفقدان الأراضي الزراعية والنزوح وتضرر البنية التحتية. وبينما رحبت دول كثيرة بالقرار، بقيت تفاصيل التمويل وحجم المساهمات وآليات الوصول إلى الأموال محوراً للنقاش خلال اجتماعات الأطراف والسنوات التالية.

قرار طال انتظاره في مفاوضات المناخ

اعتمدت الدول المشاركة في المؤتمر ترتيبات إنشاء صندوق الخسائر والأضرار، بعدما توصلت الأطراف في مؤتمر شرم الشيخ عام 2022 إلى اتفاق تاريخي يقضي بإنشاء آلية تمويل لهذا الغرض. وركز قرار دبي على وضع الإطار المؤسسي للصندوق وتحديد طريقة عمله الأولية، بما يسمح ببدء جمع التعهدات وتطوير قواعد الصرف.

ويمثل القرار استجابة لمطلب رئيسي طرحته الدول النامية منذ وقت طويل. فهذه الدول ترى أنها تتحمل جانباً كبيراً من آثار الاحترار العالمي، في حين أن مساهمتها التاريخية في انبعاثات الغازات الدفيئة أقل من مساهمة الاقتصادات الصناعية الكبرى. لذلك ارتبطت قضية الصندوق بمفهوم العدالة المناخية والمسؤولية المشتركة.

ويختلف تمويل الخسائر والأضرار عن تمويل التكيف مع تغير المناخ. فالتكيف يهدف إلى حماية المجتمعات من الأضرار المتوقعة عبر بناء السدود وتحسين الزراعة وتطوير أنظمة الإنذار المبكر، بينما يتعامل صندوق الخسائر والأضرار مع تبعات وقعت فعلاً أو أصبحت غير قابلة للتجنب، مثل اختفاء أجزاء من السواحل أو فقدان مصادر الرزق بعد كارثة مناخية.

ماذا يعني صندوق الخسائر والأضرار؟

يستهدف الصندوق دعم الدول الأكثر تعرضاً للمخاطر المناخية، مع تركيز خاص على البلدان النامية والجزر الصغيرة والدول الأقل نمواً. وقد تشمل المساعدات تمويل الاستجابة للكوارث، وإعادة بناء المنشآت المتضررة، ودعم الأسر التي فقدت مساكنها أو أعمالها، وتعويض بعض الخسائر غير الاقتصادية المرتبطة بالتراث والثقافة والموارد الطبيعية.

ولا يعني إنشاء الصندوق أن كل أضرار المناخ ستُعوّض تلقائياً أو أن الدول المتضررة ستحصل على مبالغ فورية بحجم احتياجاتها. فالقرار وضع أساساً مؤسسياً يحتاج إلى ترتيبات لاحقة تتعلق بمصادر المال، ومعايير الاستحقاق، وسرعة الاستجابة، والرقابة على استخدام الموارد.

ومن القضايا التي أثارت اهتماماً واسعاً دور البنك الدولي في استضافة الصندوق خلال فترة مؤقتة. وارتبط هذا الترتيب بشروط وضمانات تطالب بأن يكون الصندوق مستقلاً في قراراته، وأن يضمن تمثيلاً مناسباً للدول النامية، وأن يتيح الوصول إلى التمويل بصورة مباشرة وبإجراءات أقل تعقيداً.

تعهدات أولية واختبار للثقة

شهدت الساعات الأولى من مؤتمر دبي إعلان عدد من الدول تعهدات مالية للصندوق، من بينها دول أوروبية واليابان والإمارات العربية المتحدة والمملكة المتحدة. وقد قُدرت التعهدات الأولية بمئات الملايين من الدولارات، وهي خطوة رمزية وسياسية مهمة، لكنها بقيت محدودة مقارنة بالتقديرات التي تشير إلى أن احتياجات الدول النامية قد تصل إلى مئات المليارات سنوياً.

وتحتاج الآلية الجديدة إلى تمويل مستدام يمكن التنبؤ به، لا إلى مساهمات استثنائية مرتبطة بانعقاد مؤتمرات المناخ. ولهذا تبرز مقترحات تتعلق بفرض رسوم على قطاعات عالية الانبعاثات، أو استخدام عوائد تجارة الكربون، أو توجيه جزء من الضرائب على النقل البحري والجوي، إلى جانب المساهمات الحكومية التقليدية.

وتتوقف فعالية الصندوق على قدرة الدول المانحة على تحويل التعهدات السياسية إلى أموال فعلية. كما أن الثقة بين البلدان الغنية والنامية ستظل مرتبطة بمدى وضوح المواعيد، وشفافية التقارير، وسهولة وصول المجتمعات المتضررة إلى الدعم، بعيداً عن التأخير البيروقراطي.

أثر القرار على الدول العربية

تواجه المنطقة العربية مخاطر مناخية متزايدة، تشمل ندرة المياه، وتراجع الإنتاج الزراعي، وارتفاع درجات الحرارة، واتساع موجات الجفاف، فضلاً عن الفيضانات المفاجئة التي ضربت مناطق مختلفة خلال السنوات الماضية. وتظهر هذه التداعيات في ضغطها على المدن والموارد الغذائية والصحة العامة وفرص العمل.

وتحتاج الدول العربية الأكثر هشاشة إلى تمويل يساعدها على التعامل مع الأضرار التي لا تكفي معها خطط التكيف وحدها. فبعض المناطق الساحلية مهددة بارتفاع مستوى البحر، بينما تواجه مناطق داخلية تراجعاً في المياه الجوفية وتدهوراً في الأراضي، وقد يؤدي ذلك إلى زيادة النزوح الداخلي والهجرة المرتبطة بالمناخ.

كما يمكن للصندوق أن يفتح مجالاً أمام الدول العربية لتطوير مشروعات إقليمية في الإنذار المبكر وإدارة الكوارث وحماية المدن الساحلية. غير أن الاستفادة العملية ستتطلب إعداد ملفات فنية دقيقة، وتحسين نظم جمع البيانات، وتحديد حجم الأضرار، وربط التمويل بخطط وطنية واضحة للتنمية المستدامة.

وتأتي هذه التحولات في وقت تتوسع فيه العلاقات الاقتصادية الإقليمية والدولية، كما توضح تغطية اجتماع الوفد التجاري بين تركمانستان وروسيا، حيث تتقاطع التجارة والاستثمار مع الحاجة إلى بنية تحتية أكثر قدرة على تحمل المخاطر المناخية.

الجدل حول المسؤولية والتمويل

رحبت الدول النامية بإقرار الصندوق باعتباره اعترافاً سياسياً بوجود فجوة بين حجم الأضرار المناخية والموارد المتاحة لمواجهتها. لكنها أكدت أن الصندوق لا ينبغي أن يحل محل التزامات الدول الغنية بخفض الانبعاثات أو توفير تمويل التكيف، لأن معالجة النتائج لا تغني عن الحد من أسباب الأزمة.

في المقابل، تتحفظ بعض الدول المتقدمة على إنشاء التزامات مالية مفتوحة قد تُفسر باعتبارها تعويضات قانونية عن الأضرار التاريخية. ولذلك ركزت المفاوضات على صياغة آلية تمويل تعاونية، مع تجنب تحويل القرار إلى مسار قضائي مباشر لتحديد المسؤولية والتعويض.

ويظل خفض الانبعاثات حجر الأساس في أي استجابة عالمية. فكلما تأخر الانتقال إلى الطاقة النظيفة، زادت تكلفة الكوارث، واتسعت الفجوة بين قدرة الدول على التكيف وحجم الخطر. ولهذا ارتبط نقاش الصندوق في مؤتمر دبي بملفات الوقود الأحفوري والطاقة المتجددة والتمويل المناخي طويل الأجل.

بين الرمزية والتنفيذ الفعلي

يحمل قرار مؤتمر المناخ COP28 قيمة رمزية كبيرة لأنه نقل ملف الخسائر والأضرار من دائرة المطالب العامة إلى إطار مؤسسي قابل للتطوير. ونجاحه يمنح الدول المتضررة مساحة أكبر لعرض احتياجاتها، ويضع الحكومات المانحة أمام مسؤولية بناء آلية تمويل تتمتع بالاستمرارية والشفافية.

لكن الاختبار الحقيقي يبدأ بعد انتهاء المؤتمرات، عندما تتحول البيانات السياسية إلى إجراءات تنفيذية. فالدول المتضررة تحتاج إلى منح وقروض ميسرة وسريعة، وإلى دعم فني يساعدها في تقييم الأضرار وإعداد المشروعات. كما تحتاج المجتمعات المحلية إلى المشاركة في تحديد الأولويات، حتى لا تذهب الأموال إلى مشروعات بعيدة عن الاحتياجات اليومية للسكان.

ويتطلب ذلك نشر تقارير دورية حول حجم الأموال التي جُمعت، والجهات التي استفادت منها، والنتائج التي تحققت على الأرض. كما ينبغي تطوير مؤشرات تقيس قدرة التمويل على حماية الأرواح وسبل العيش، لا الاكتفاء بإعلان مبالغ إجمالية يصعب تتبع أثرها.

وتبقى التغطية الصحفية المستقلة عاملاً مهماً في متابعة هذا المسار، عبر التحقق من التعهدات، ورصد تنفيذها، وشرح انعكاساتها على المجتمعات العربية والدولية. ويمكن للقراء متابعة الملفات الإخبارية والتعريفية التي تقدمها القائد نيوز لفهم التطورات المناخية والاقتصادية والسياسية ضمن سياقها الأوسع.

تابعوا مستجدات التمويل المناخي، وقرارات مؤتمرات الأطراف، وتأثير تغير المناخ على المنطقة العربية من خلال الأخبار الموثوقة والتحليلات المبسطة، وشاركوا المعلومات الدقيقة التي تساعد على رفع الوعي ودعم النقاش العام حول حماية المجتمعات ومواردها.