تفاصيل خطة أممية جديدة لإحلال السلام في ليبيا
تدخل ليبيا مرحلة سياسية دقيقة مع تجدد المساعي الدولية لإنهاء الانقسام بين المؤسسات والحد من التوتر الأمني الذي يعطل بناء الدولة. وتأتي التحركات الأممية في وقت ما زالت فيه الترتيبات الانتقالية مفتوحة على احتمالات متعددة، بينما يطالب الليبيون بمسار واضح يقود إلى انتخابات عامة وحكومة موحدة.
وتقوم الرؤية الجديدة على معالجة أسباب الأزمة بصورة متزامنة، بدلاً من الاكتفاء بالتفاوض حول السلطة التنفيذية. فالأمم المتحدة تسعى إلى جمع الأطراف حول ترتيبات دستورية وقانونية، وإعادة تنظيم المؤسسات، وتهيئة البيئة الأمنية والاقتصادية اللازمة لإجراء انتخابات قابلة للاعتراف الداخلي والدولي.
ولا تعني الخطة، وفق التصور المتداول حولها، فرض صيغة جاهزة على الليبيين، بل توفير إطار حوار تشارك فيه القوى السياسية والاجتماعية وممثلو المناطق والنساء والشباب. ويظل نجاحها مرتبطاً بقدرة الفاعلين المحليين على تقديم تنازلات متبادلة، وبمدى استعداد القوى الخارجية لدعم التسوية بدلاً من تغذية الانقسام.
ويحظى الملف الليبي باهتمام واسع من الدول المجاورة والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، بسبب انعكاساته على أمن البحر المتوسط والهجرة والطاقة ومكافحة الجريمة المنظمة. لذلك فإن أي تقدم سياسي في طرابلس وبنغازي والجنوب ستكون له آثار تتجاوز الحدود الليبية.
لماذا طرحت الأمم المتحدة مساراً جديداً
جاء الدفع نحو مسار سياسي متجدد نتيجة الجمود الذي أصاب الترتيبات القائمة، إذ لم تنجح الأجسام المتنافسة في الاتفاق على قاعدة دستورية تنظم الانتخابات أو على آلية انتقال تحظى بثقة عامة. كما أن استمرار وجود حكومتين ومراكز نفوذ أمنية متباينة جعل القرارات الوطنية عرضة للتعطيل والمساومة.
وتحاول البعثة الأممية تجاوز الخلافات المتعلقة بتوزيع المناصب عبر وضع الانتخابات في قلب العملية السياسية، مع ربطها بإصلاحات مؤسسية وأمنية. فإجراء اقتراع من دون توافق على القواعد المنظمة له قد يؤدي إلى نتائج متنازع عليها، ويعيد إنتاج الأزمة بدلاً من إنهائها.
ويستند التحرك إلى فكرة أن التسوية لا يمكن أن تقتصر على النخب الموجودة في السلطة. ولهذا تبرز الحاجة إلى توسيع دائرة الحوار لتشمل البلديات، والقيادات الاجتماعية، والفاعلين الاقتصاديين، وممثلي الجنوب والمناطق المهمشة، حتى لا تتحول الاتفاقات إلى تفاهمات مغلقة تفتقر إلى الدعم الشعبي.
مكونات خارطة الطريق السياسية
يتوقع أن تركز الخطة على تشكيل أو دعم لجنة سياسية موسعة تتولى بحث القضايا التي تعرقل الانتخابات، وفي مقدمتها شروط الترشح، وصلاحيات المؤسسات خلال المرحلة الانتقالية، وضمان حياد الإدارة العامة. وقد تطرح اللجنة مقترحات عملية لتقريب وجهات النظر بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة وسائر الأطراف المؤثرة.
ويشمل المسار كذلك مراجعة القوانين الانتخابية أو استكمالها عبر تفاهمات قانونية قابلة للتنفيذ. وتحتاج هذه الخطوة إلى تحديد واضح لدور السلطة التنفيذية القائمة، وضمان عدم استخدام موارد الدولة أو الأجهزة الإدارية للتأثير في المنافسة السياسية، مع وضع آليات للرقابة على الإنفاق والحملات الانتخابية.
أما الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، فمن المرجح أن ترتبط بجدول زمني تدريجي لا يعلن قبل توافر شروط أساسية. ومن بين هذه الشروط تأمين مراكز الاقتراع، وتوحيد المؤسسات السيادية، والاتفاق على قبول النتائج، وتوفير ضمانات للمرشحين والناخبين في مختلف المناطق.
الترتيبات الأمنية وتوحيد مؤسسات الدولة
لا يمكن لأي اتفاق سياسي أن يصمد من دون معالجة الانقسام الأمني والعسكري. ولهذا تتضمن الرؤية الأممية مسارات موازية لدعم وقف إطلاق النار، وتثبيت آليات التواصل بين القوى المسلحة، ومنع العودة إلى التصعيد في المناطق الحساسة، خصوصاً حول العاصمة والمنشآت النفطية والمعابر الحدودية.
ويُطرح توحيد المؤسسات الأمنية باعتباره عملية تدريجية، تبدأ بتنسيق المسؤوليات ومنع الازدواجية في القرارات، ثم تنتقل إلى بناء هياكل وطنية أكثر انسجاماً. ولا يرتبط ذلك بإقصاء فوري للقوى الموجودة، بل بإدماج من تنطبق عليهم المعايير في مؤسسات رسمية، وإخضاع الجميع لسلسلة قيادة وقواعد مهنية موحدة.
كما يتطلب المسار الأمني معالجة ملف الجماعات المسلحة والمرتزقة والقوات الأجنبية، مع ضمانات تمنع استخدام الانسحاب أو إعادة الانتشار ذريعة لخلق فراغ أمني. وستحتاج الأمم المتحدة إلى تعاون إقليمي ودولي واسع لمراقبة الالتزامات، لأن التوازنات الليبية تتأثر باستمرار بالمواقف الخارجية والدعم العسكري والمالي.
الاقتصاد والعدالة الاجتماعية في قلب التسوية
يرتبط السلام في ليبيا بإدارة عادلة وشفافة للثروة العامة. ولذلك تركز المقاربة الأممية على حماية المؤسسة الوطنية للنفط، وتحسين توزيع الإيرادات، وتوحيد الإنفاق العام، ومراجعة الترتيبات المالية التي عمقت الفجوة بين المناطق. ويُفترض أن يساعد ذلك في تقليل استخدام المال العام أداة للصراع السياسي.
وتحتاج المرحلة المقبلة إلى ميزانية وطنية متفق عليها، وآليات رقابة على المصرف المركزي والمؤسسات السيادية، وخطة لإعادة الإعمار تضع الأولوية للخدمات الأساسية. كما أن معالجة البطالة وتأخر الرواتب ونقص الكهرباء والسيولة ستكون عاملاً مهماً في استعادة ثقة المواطنين بالمسار السياسي.
وفي سياق متابعة التطورات الدولية التي تؤثر في الحوكمة والاقتصاد، يمكن للقراء الاطلاع على تغطيات القائد نيوز لفهم انعكاسات الملفات الإقليمية والدولية على المشهد العربي. فالتجارب المقارنة، بما فيها تنظيم التقنيات الحديثة والبيانات، توضح أن بناء المؤسسات يحتاج إلى قواعد واضحة ورقابة مستقلة، وهو ما يظل ضرورياً أيضاً في إدارة الموارد الليبية.
فرص النجاح والعقبات المنتظرة
تملك الخطة فرصة للنجاح إذا تحولت من مبادرة دبلوماسية إلى التزام سياسي قابل للقياس. ويعني ذلك تحديد مراحل واضحة، ونشر نتائج الحوارات، وتسمية المسؤوليات، ووضع آليات للتعامل مع من يعرقل التنفيذ. كما أن وجود ضمانات دولية متوازنة قد يساعد على منع الأطراف من تفسير الاتفاقات بما يخدم مصالحها الخاصة.
في المقابل، تواجه خارطة الطريق عقبات كبيرة، أبرزها تمسك بعض القوى بمواقعها، وتضارب مصالح المؤسسات، وضعف الثقة المتبادلة، واستمرار نفوذ الجماعات المسلحة. وقد تحاول أطراف محلية استخدام ملف الانتخابات لتأجيل الاستحقاق أو تعديل القواعد بما يضمن بقاءها في المشهد.
وتحتاج البعثة الأممية إلى الحفاظ على مسافة واحدة من جميع الأطراف، مع تجنب منح الشرعية غير المشروطة لأي جسم سياسي. كما أن دعم الدول المؤثرة يجب أن يتجه نحو تسهيل التوافق، لا نحو رعاية مراكز نفوذ منفصلة. وكلما اتسعت المشاركة الليبية في صياغة الخطة، زادت فرص قبولها وتحولها إلى اتفاق وطني.
ولكي يقترب المسار من نتائج ملموسة، ينبغي التركيز على مجموعة من الأولويات العملية:
- وضع جدول زمني معلن ومراحل قابلة للمتابعة نحو الانتخابات.
- إشراك البلديات وممثلي الجنوب والنساء والشباب في الحوار السياسي.
- توحيد قواعد الإنفاق العام وتعزيز الرقابة على عائدات النفط.
- دعم ترتيبات أمنية تمنع التصعيد وتحمي مراكز الاقتراع.
- الاتفاق مسبقاً على آلية ملزمة لقبول النتائج وتسوية الطعون.
- ربط المساعدات الدولية بإصلاحات مؤسسية قابلة للتحقق.
سيظل السلام الليبي مرتبطاً بقدرة الأطراف على الانتقال من إدارة الأزمة إلى بناء الدولة. والخطة الأممية، مهما كانت تفاصيلها النهائية، لن تحقق أهدافها عبر البيانات وحدها، بل تحتاج إلى توافق محلي، وضغط دولي متزن، ومشاركة شعبية تضع الانتخابات والخدمات والعدالة في مقدمة الأولويات. ومع استمرار متابعة المفاوضات والقرارات الأممية، يمكن للقراء متابعة التطورات الدولية المرتبطة بالحوكمة لفهم السياق الأوسع الذي تتحرك داخله ملفات بناء المؤسسات والرقابة.
إن تحويل خارطة الطريق إلى واقع يتطلب مراقبة مستمرة لما يصدر عن البعثة الأممية والسلطات الليبية، ومقارنة الوعود بالإجراءات الفعلية على الأرض. وستبقى التغطية الصحفية الدقيقة عاملاً أساسياً في كشف مسارات التقدم والتعطيل، وإبقاء الرأي العام على اطلاع بما يحدد مستقبل ليبيا السياسي والأمني.