طالبان تصعّد قبضتها على تعليم الفتيات الأفغانيات
في خطوة أثارت موجة استنكار واسعة، أعلنت حركة طالبان قراراً جديداً يقضي بمنع الفتيات من الالتحاق بالمدارس الثانوية وما فوق الصف السادس في مختلف أنحاء أفغانستان، وهو قرار يعيد إلى الواجهة ملفاً إنسانياً وحقوقياً ظلّ يشغل المجتمع الدولي منذ عودة الحركة إلى السلطة في منتصف عام 2021. ويأتي هذا التوجه ليقوّض عقوداً من الإنجازات التي تحققت في مجال محو الأمية وتعليم المرأة، خاصة في المناطق الحضرية التي شهدت توسّعاً ملحوظاً في معدلات التحاق الفتيات بالمدارس والجامعات.
القرار لم يكن مفاجئاً للمتابعين للشأن الأفغاني، إذ تتابع طالبان منذ استيلائها على الحكم فرض قيود متلاحقة على عمل المرأة وحركتها ومشاركتها في الفضاء العام. وتشير التسريبات إلى أن القرار صدر عن القيادة المركزية للحركة دون إشراك المؤسسات التعليمية أو الوزارات المعنية، مما أثار ارتباكاً واسعاً داخل المنظومة التربوية. وتزامنت هذه الخطوة مع تقارير دولية تتحدّث عن أوضاع إنسانية صعبة في عدة مناطق، في وقت يواصل فيه العالم متابعة تداعيات الزلزال المدمر الذي ضرب المغرب وأوقع آلاف الضحايا، وهو ما يسلّط الضوء على هشاشة الأوضاع الإقليمية وازدحام الأزمات المتلاحقة في المنطقة.
السياق التاريخي للقيود على تعليم الإناث
لم يكن قرار طالبان الأخير صدفة في سياق تاريخي طويل، إذ تعود جذور الموقف من تعليم المرأة إلى تسعينيات القرن الماضي حين كانت الحركة تحكم البلاد للمرة الأولى. ففي تلك المرحلة أُغلقت المدارس أمام الفتيات بشكل شبه كامل، واقتصر التعليم الرسمي على الذكور، بينما لجأت بعض الأسر إلى التعليم المنزلي والكتاتيب السرية للحفاظ على حق بناتهن في التعلّم. وبعد سقوط نظام طالبان عام 2001، عاد ملايين الفتيات إلى مقاعد الدراسة بدعم من المجتمع الدولي ومنظمات الأمم المتحدة، وبلغت نسبة الالتحاق بالمدارس الثانوية مستويات قياسية بحلول عام 2018.
غير أن العودة الثانية لطالبان عام 2021 أعادت خلط الأوراق من جديد، إذ أعلنت الحركة في البداية أن تعليم البنات سيستمر وفق ضوابط الشريعة الإسلامية، لكنها سرعان ما بدأت في تقييده تدريجياً. فأُلغيت الفصول المختلطة، وفُرضت قواعد لباس صارمة، ثم مُنعت الفتيات من التعليم الجامعي في نهاية عام 2022، قبل أن يمتدّ الحظر ليشمل المرحلة الثانوية في القرار الأخير. هذا المسار التصاعدي يعكس منهجية واضحة في تغيير البنية التعليمية للبلاد، وقد حذّرت تقارير أممية من أن النساء والفتيات الأفغانيات أصبحن "مواطنات من الدرجة الثانية" في ظل هذه السياسات.
على صعيد البنية التحتية، تأثرت المدارس نفسها بالقرار الجديد، إذ توقفت عمليات التسجيل في الصفوف المعنية، وعمدت بعض المدارس الأهلية في كابول وهرات إلى تحويل التدريس إلى صيغة افتراضية أملاً في الالتفاف على القرار. غير أن غياب البنية الرقمية المناسبة في معظم الولايات يجعل هذا الخيار حلاً مؤقتاً لا يرقى إلى حجم الكارثة التعليمية التي تعصف بالبلاد منذ أشهر.
ردود الفعل المحلية والدولية
أثار القرار عاصفة من التنديد في الداخل الأفغاني قبل خارجه. ففي كابول وهرات ومزار شريف خرجت مظاهرات نسائية محدودة سرعان ما واجهتها قوات الأمن بالرصاص الحيّ والغاز المسيل للدموع. وأصدر عدد من وجهاء القبائل ورجال الدين بيانات تنتقد القرار، معتبرين أنه يتعارض مع تعاليم الإسلام السمحة التي تُقرّ حق المرأة في التعلّم والمعرفة. كما أعلنت رابطة الأساتذة الأفغان تعليق الدوام احتجاجاً، بينما دعت منظمات المجتمع المدني إلى عصيان مدني ناعم.
على المستوى الدولي، أدانت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة القرار واصفين إياه بأنه "انتهاك صارخ" لحقوق الإنسان وللوعود التي قطعتها طالبان حين عادت إلى السلطة. وأعرب الأمين العام للأمم المتحدة عن "صدمته البالغة"، داعياً إلى التراجع الفوري عن القرار. من جهتها، أعلنت عدة دول تعليق مساعداتها الإنسانية غير الأساسية، في محاولة للضغط على قيادة الحركة. وتزامن ذلك مع تغطية إعلامية مكثّفة من وسائل إعلام إقليمية وعالمية، من بينها منابر إخبارية تركية ركّزت على البُعد الإنساني للقضية وأثرها على موجات اللجوء الجديدة نحو الدول المجاورة.
في واشنطن وبروكسل، تعتزم عدة عواصم غربية مراجعة برامجها التنموية في أفغانستان، مع التوجه نحو تحويل المساعدات إلى قنوات بديلة لا تمرّ عبر المؤسسات الرسمية في كابل. وفي الوقت نفسه، أثار القرار نقاشاً حاداً داخل المنظمات الإسلامية، حيث انقسمت الآراء بين مؤيد للقرار بحجة حماية "القيم الأخلاقية"، ومعارض له باعتباره خروجاً على مبادئ الشريعة التي حثّت على طلب العلم للجنسين.
مقارنة بين السياسات التعليمية المتعاقبة
لفهم حجم التراجع في المشهد التعليمي الأفغاني، يمكن وضع السياسات المتعاقبة في إطار مقارنة مباشرة توضح الفجوة المتزايدة بين المراحل المختلفة. فقد مرّ التعليم في البلاد بثلاث حقبات متمايزة، لكل منها منطقها التشريعي وأثرها على الفتيات، كما هو موضح في الجدول التالي:
| المرحلة | حقبة ما قبل طالبان (2001-2021) | حكم طالبان الأول (1996-2001) | حكم طالبان الحالي (2021-حتى الآن) |
|---|---|---|---|
| تعليم الفتيات الابتدائي | إجباري ومجاني | ممنوع | مسموح بشروط |
| تعليم الفتيات الثانوي | متاح في أغلب المناطق | ممنوع | ممنوع بالكامل |
| التعليم الجامعي للنساء | متاح في كثير من الجامعات | غير متاح | ممنوع إلا في حالات نادرة |
| مشاركة المعلمات | واسعة النطاق | محظورة | محظورة في المدارس الثانوية |
| نسبة الإناث في التعليم | تجاوزت 60% في بعض المدن | شبه معدومة | صفر في المرحلة الثانوية |
ما يكشفه الجدول أن التراجع الحالي يشمل جميع المراحل التعليمية تقريباً، وأن ما كان مسموحاً به في فترة طالبان الأولى عاد إلى الحظر من جديد، بل إنّ الحظر امتدّ ليشمل مراحل لم تكن ممنوعة أصلاً في تسعينيات القرن الماضي. هذا التشديد يعكس تحولاً في الخطاب الأيديولوجي للحركة تجاه المرأة، ويؤكد أن الرهان على الوعود الأولية بالانفتاح كان رهاناً مفرطاً في التفاؤل.
تأثير القرار على ملايين الأسر الأفغانية
لا شك أن القرار أحدث شللاً واسعاً في المنظومة التعليمية، إذ يقدَّر عدد الفتيات المتأثرات بأكثر من مليون طالبة في المرحلة الثانوية، إضافة إلى آلاف المعلمات اللواتي فقدن مصدر رزقهن الوحيد. وتتفاقم المعاناة في المناطق الريفية حيث تعتمد الأسر على تعليم بناتهن لتحسين ظروفهن المعيشية وكسر دائرة الفقر المتوارثة. كثير من الأمهات الأفغانيات وجدن أنفسهن أمام خيارين أحلاهما مرّ: إما الامتثال للقرار وحرمان بناتهن من حقهن في التعلّم، أو المخاطرة بإرسالهن إلى مدارس سرية قد تعرّضهن للملاحقة الأمنية.
الانعكاسات لا تتوقف عند حدود التعليم، بل تمتدّ إلى مستقبل الاقتصاد الأفغاني الذي يعاني أصلاً من تراجع حادّ منذ عام 2021. فقد أظهرت دراسات متعددة أن تقييد مشاركة المرأة في سوق العمل وتعليمها يؤدي إلى خسارة تُقدّر بنحو 20% من الناتج المحلي الإجمالي على المدى البعيد. وفي سياق متصل، تعكس هذه القيود حجم الفجوة بين ما يدّعيه النظام الحاكم من انفتاح وبين ممارساته الفعلية، حتى أن بعض المنابر المتخصصة ربطت بين تراجع الاستثمار الأجنبي وتعميق القيود الاجتماعية، في حين تواصل قطاعات أخرى من الترفيه والألعاب الرقمية توسّعها في فضاءات مختلفة، مما يطرح تساؤلات حول أولويات الاستثمار في بلد يفتقد أبسط مقومات التعليم.
على المستوى النفسي والاجتماعي، بدأت تظهر علامات قلق متصاعدة لدى الفتيات أنفسهن، إذ تتحدث تقارير ميدانية عن حالات اكتئاب حادّة وانسحاب من الحياة العامة بين صفوفهن. بعض الأسر لجأت إلى نقل بناتها إلى دول الجوار كإيران وباكستان وطاجيكستان لإكمال دراستهن، لكن هذا الخيار يظل حكراً على القادرين مالياً، بينما يبقى مصير معظم الفتيات الأفغانيات معلّقاً على إصلاحات لن تأتي قريباً.
مستقبل التعليم وخارطة الاستجابة
تُلقي القيود الأخيرة بظلالها على مستقبل جيل كامل من الأفغانيات، إذ يرى مختصون في علم الاجتماع أن الجيل الحالي من الفتيات سيكبر دون شهادات رسمية، مما يحدّ من فرصهن في الهجرة الآمنة أو العمل في المنظمات الدولية أو الاندماج في مجتمعات اللجوء. بعض المبادرات الفردية لجأت إلى إنشاء مدارس إلكترونية ومنصات تعليم عن بعد تعمل عبر الأقمار الصناعية، إلا أن هذه الحلول تبقى هشة بسبب محدودية الإنترنت وضعف البنية الرقمية في معظم الولايات الأفغانية.
في المقابل، يواصل المجتمع الدولي البحث عن أدوات ضغط جديدة، تشمل توسيع برامج المنح الدراسية للفتيات الأفغانيات في الخارج، وزيادة التمويل المخصص للتعليم السري والكتاتيب المنزلية. وتبقى التساؤلات مفتوحة حول قدرة طالبان على المناورة بين ضغط الداخل الإسلامي التقليدي الرافض للقيود، وضغوط الخارج الحقوقية والاقتصادية. في هذا السياق، يمكن رسم خارطة استجابة واضحة تقوم على المحاور التالية:
- تكثيف الدعم المالي واللوجستي للمبادرات التعليمية المستقلة داخل أفغانستان وخارجها، مع ضمان وصول المساعدات إلى الفتيات بشكل آمن.
- فتح برامج منح دراسية جامعية في دول الجوار والدول الغربية لاستيعاب الفتيات المتأثرات بالقرار، وتسهيل إجراءات السفر لهن ولعائلاتهن.
- تشديد التنسيق بين المنظمات الأممية والوكالات الإنسانية لمنع ازدواجية الجهود وضمان استجابة فعّالة للأزمة التعليمية.
- الضغط الدبلوماسي المتواصل على قيادة طالبان للتراجع عن القرار، مع الإبقاء على قنوات الحوار الإنساني مفتوحة لتجنّب الكارثة.
- توسيع شبكة المدارس الإلكترونية عبر الأقمار الصناعية وتزويد الفتيات بأجهزة لوحية مقاومة للرقابة.
- دعم المعلمات الأفغانيات اللواتي فقدن وظائفهن ببرامج تدريب وتأهيل مهني تُمكّنهن من مواصلة التعليم بأشكال بديلة.
- توثيق الانتهاكات بشكل منهجي ونشرها عبر وسائل الإعلام العربية والدولية لإبقاء القضية حاضرة في الضمير العالمي.
تابعوا آخر التطورات والتحليلات المتعلقة بالشأن الأفغاني عبر منصة القائد نيوز، حيث نواصل رصد تداعيات القرارات الأخيرة وأثرها على حياة ملايين الأفغانيات.