تفشي وباء الكوليرا يفتك بالمئات في محافظات يمنية

تسارعت وتيرة الإصابات بوباء الكوليرا خلال الأسابيع الأخيرة في عدد من المحافظات اليمنية، وسط تحذيرات متصاعدة من منظمات صحية دولية من انزلاق الوضع إلى مستويات كارثية. وتشير البيانات الميدانية الأولية إلى وفاة أكثر من أربعمئة شخص خلال الأشهر الثلاثة الماضية، فيما تجاوز عدد الحالات المشتبه فيها حاجز العشرين ألفاً في المناطق الريفية والحضرية على حد سواء. ويعزو مختصون في علم الأوبئة هذا التصاعد إلى تدهور شبكات المياه والصرف الصحي بفعل سنوات النزاع المتواصل.

وتبرز تقارير الفرق الطبية أن معظم الوفيات تتركز بين الأطفال دون سن الخامسة وكبار السن، وهما الفئتان الأكثر هشاشة أمام الجفاف الحاد الناجم عن الإسهال الشديد. وفي ظل عجز المنشآت الصحية عن استيعاب الأعداد المتزايدة من المرضى، تكتظ المراكز العلاجية بالإصابات، ويعمل الطاقم الطبي بأدنى قدر من الإمكانيات المتاحة. وتؤكد مصادر طبية محلية أن المستشفيات في عدة مدن باتت مهددة بنفاد مخزون المحاليل الوريدية والمضادات الحيوية خلال أيام قليلة في حال استمرار التدفق الحالي للحالات.

ويشكل تفاقم الأزمة الإنسانية منذ أوائل العام الجاري تحدياً مضاعفاً أمام فرق الاستجابة السريعة، خصوصاً أن البلاد تشهد أزمات متشابكة تشمل سوء التغذية وارتفاع أسعار السلع الأساسية إلى مستويات قياسية. وبحسب تقديرات صادرة عن برنامج الأغذية العالمي، فإن نحو نصف السكان لا يحصلون على احتياجاتهم الغذائية اليومية، وهو ما يضعف المناعة العامة ويهيئ بيئة خصبة لانتشار الأوبئة المعدية.

المحافظات الأكثر تضرراً بالانتشار

تتركز بؤر التفشي الرئيسية في محافظات حجة وتعز والحديدة وذمار، حيث رصدت فرق الترصد الوبائي أعلى معدلات الإصابة خلال الأشهر الماضية. وفي حجة الشمالية، تشير البيانات إلى تسجيل ما يزيد على خمسة آلاف حالة مشتبه فيها منذ مطلع العام، في وقت تكافح فيه المستشفيات المحلية لاستيعاب الأعداد المتزايدة من المرضى. ويؤكد مسؤولون صحيون في المحافظة أن النقص الحاد في الوقود يشل عمل مضخات المياه، ما يدفع السكان إلى الاعتماد على مصادر ملوثة تفتقر إلى أدنى معايير السلامة.

وفي محافظة تعز، يعاني القطاع الصحي من انقسام جغرافي ناجم عن خطوط التماس بين أطراف النزاع، وهو ما يعيق وصول المرضى إلى المرافق العلاجية في الوقت المناسب. أما في الحديدة وذمار فتتزايد الحالات باضطراد، خصوصاً في المناطق الجبلية التي يصعب إيصال المساعدات الطبية إليها بسبب وعورة الطرقات. وتفيد منصة إخبارية مهتمة بتغطية التطورات الإقليمية بأن الوضع يزداد سوءاً في ظل توقف كثير من المراكز الصحية عن العمل بشكل كامل أو جزئي.

أسباب الانهيار وتداعياته على الصحة العامة

يعود الانتشار المتسارع للكوليرا إلى جملة من الأسباب المتشابكة، أبرزها انهيار ما يقارب نصف المنشآت الصحية على المستوى الوطني نتيجة سنوات القتال. ويضاف إلى ذلك توقف رواتب الموظفين الحكوميين منذ سنوات، وهو ما أثقل كاهل العاملين في القطاع الصحي وأدى إلى هجرة واسعة للكوادر الطبية إلى الخارج. وتصف تقارير أممية الوضع بأنه أحد أسوأ الأزمات الصحية في العالم من حيث الحجم والسرعة في الانتشار.

ويُسهم تدهور البنية التحتية للمياه في تعميق الكارثة، إذ تشير إحصاءات منظمات الإغاثة إلى أن أكثر من نصف السكان لا يحصلون على مياه شرب آمنة. وتلجأ كثير من الأسر إلى استخدام مياه الآبار السطحية أو خزانات مكشوفة تتلوث بمياه الصرف الصحي، وهو ما يهيئ الظروف المثالية لانتقال جرثومة الضمة الكوليرية. كما أن ارتفاع أسعار السلع الغذائية إلى مستويات قياسية في الأسواق المحلية، وفق ما توثقه تقارير ميدانية حديثة، يحد من قدرة الأسر على تأمين الغذاء الصحي الذي يعزز المناعة الطبيعية للجسم.

وتلعب العوامل المناخية دوراً إضافياً في تسريع وتيرة الانتشار، إذ توفر الأمطار الموسمية بيئة رطبة تساعد على تكاثر البكتيريا وانتقالها عبر المياه الراكدة. وتذكر دراسات ميدانية حديثة أن المناطق المرتفعة في اليمن تعرضت لتساقطات مطرية غزيرة أسهمت في تلوث مصادر المياه الجوفية والسطحية على حد سواء، وهو ما يتطلب تدخلاً عاجلاً لتطهير المصادر وتوفير البدائل الآمنة للسكان.

جهود المنظمات الدولية في الاستجابة

تعمل منظمة الصحة العالمية بالشراكة مع صندوق الأمم المتحدة للطفولة على تشغيل عيادات علاج الكوليرا المتنقلة في المناطق المتضررة، لكنها تؤكد أن التمويل ما زال أدنى بكثير من الاحتياجات الفعلية على الأرض. وتفيد المنظمة الأممية بأن الاستجابة تتطلب مئات الملايين من الدولارات لتأمين اللقاحات والمياه المأمونة وكلورة المصادر المائية. ويعرب مسؤولو الصحة العالمية عن قلقهم العميق من احتمالية انتقال العدوى إلى محافظات لم تسجل سابقاً حالات كثيرة.

وتشهد الجسور الإنسانية بين المحافظات كثافة في حركة العاملين في المجال الصحي ومنسقي الاستجابة، رغم المخاطر المرافقة للانتقال عبر مناطق التوتر. وتقول متحدثة باسم إحدى المنظمات الدولية إن فرقها الميدانية تواجه صعوبة بالغة في إيصال الإمدادات بسبب تعقيد الإجراءات الإدارية في مناطق سيطرة مختلف أطراف النزاع، وهو ما يؤخر وصول المساعدات المنقذة للحياة. وتتطلع هذه المنظمات إلى تعزيز آليات التنسيق مع السلطات المحلية لإقامة وحدات معالجة متنقلة في المناطق الريفية النائية.

التحديات الاقتصادية والاجتماعية

يتزامن تفشي الكوليرا مع تصاعد الضغوط الاقتصادية على الأسر اليمنية، إذ فقدت العملة الوطنية جزءاً كبيراً من قيمتها أمام العملات الأجنبية خلال الأشهر الماضية. ويترتب على ذلك ارتفاع تكاليف النقل والوقود والأدوية إلى مستويات خيالية، وهو ما يجعل كثيراً من المرضى يعجزون عن الوصول إلى المرافق الصحية أو تحمل نفقات العلاج الباهظة. وتتضاعف المعاناة بالنسبة للنازحين الذين يعيشون في مخيمات تفتقر إلى أدنى الخدمات الأساسية من مياه ودورة صحية.

وتتجاوز تأثيرات الأزمة الصحية الجوانب الجسدية لتطال النسيج الاجتماعي برمته، إذ تنتشر بين السكان مشاعر القلق والخوف المستمر من العدوى، كما تتعطل الدراسة في كثير من المدارس بسبب غياب الأطفال المتكرر أو إصابتهم بالمرض. وتتراجع الأنشطة الاقتصادية في الأسواق المحلية بفعل تراجع الحركة التجارية وتردد المستهلكين في التعامل مع المحال التي قد تكون مصادر للتلوث. وفي ظل هذه الأجواء الثقيلة، يلجأ بعض الأفراد إلى البحث عن وسائل ترفيه متنوعة للتخفيف من ضغوط الحياة اليومية، بما في ذلك ألعاب الكازينو المتاحة عبر المنصات الرقمية كوسيلة للهروب من واقع مرير.

أعراض المرض ومراحله السريرية

يبدأ المرض عادة بإسهال مائي غزير دون ألم شديد في البطن، وقد يتطور بسرعة إلى جفاف حاد إذا لم يُعالج المريض في الوقت المناسب بالمحاليل الوريدية. ويصاحب الإسهال قيء متكرر وعطش شديد وانخفاض ملحوظ في ضغط الدم، وهو ما يستوجب تعويض السوائل المفقودة عبر المحاليل في الحالات المتقدمة. ويُعد الأطفال حديثو الولادة والحوامل وذوو المناعة الضعيفة الأكثر عرضة للمضاعفات الخطيرة التي قد تنتهي بالوفاة.

ويعتمد التشخيص المختبري على فحص عينات من البراز للكشف عن جرثومة الكوليرا، غير أن الواقع الميداني في كثير من المناطق اليمنية يجعل الاعتماد على الأعراض السريرية أكثر شيوعاً في عمل الفرق الطبية. ويؤكد أطباء مختصون أن سرعة التدخل خلال الساعات الأولى للإصابة ترفع معدلات الشفاء إلى أكثر من تسعين بالمئة حتى في البيئات ذات الموارد المحدودة، شرط توفر المحاليل والإشراف الطبي.

حملات التوعية والتحصين المحدودة

تسعى وزارة الصحة العامة والسكان بالتعاون مع شركائها الدوليين إلى تكثيف حملات التوعية حول أساليب الوقاية، بما في ذلك غلي المياه وتخزينها في أوانٍ نظيفة وغسل الأيدي بالصابون بشكل متكرر قبل تناول الطعام. وتُنظم ورش إرشادية في المساجد والمدارس والأسواق لتعريف المواطنين بعلامات المرض وأهمية التوجه إلى المراكز الصحية بسرعة عند ظهور أي أعراض مقلقة.

وعلى صعيد التحصين، أطلقت منظمة الصحة العالمية في وقت سابق جولات محدودة من التطعيم الفموي ضد الكوليرا استهدفت الأطفال في بضع محافظات. غير أن الخطط الطموحة لتوسيع نطاق التلقيح تصطدم بنقص التمويل وتأخر وصول الجرعات المطلوبة من المختبرات الدولية، فضلاً عن صعوبات التبريد والنقل في المناطق الجبلية والحارة التي تفتقر إلى البنية الكهربائية الملائمة.

أبرز المحافظات التي تشهد تفشياً حالياً:

المؤشرات العاجلة التي تستوجب التدخل:


يواصل اليمنيون مواجهة واحدة من أعنف موجات الكوليرا منذ سنوات، في مشهد يلخص حجم المعاناة الإنسانية المتفاقمة على مختلف الأصعدة. وتدعو المنظمات الإنسانية إلى تكثيف الجهود الدولية لرفع المعاناة عن السكان الأكثر تضرراً وتوفير الدعم اللازم للمرافق الصحية المنهكة في المحافظات الساخنة. وللمساهمة في نشر الوعي، يمكن للقراء متابعة مستجدات الأزمة عبر وسائل الإعلام المحلية والدولية الموثوقة ومشاركة المعلومات الدقيقة مع مجتمعاتهم المحلية.