تعثر قرار وقف إطلاق النار في السودان أمام مجلس الأمن

فشل مجلس الأمن الدولي في تمرير مشروع قرار يدعو إلى وقف إطلاق النار في السودان، في نتيجة عكست عمق الانقسام الدولي حول الحرب المستمرة بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع. وبينما حظي المشروع بتأييد واسع داخل المجلس، حال استخدام حق النقض دون اعتماده، ليبقى المدنيون أمام واقع أمني وإنساني شديد القسوة.

ويأتي هذا الإخفاق في وقت تتسع فيه رقعة المواجهات، وتتزايد أعداد النازحين، وتتعقد مهمة إيصال المساعدات إلى المناطق المحاصرة والمتضررة. كما أن استمرار القتال في الخرطوم ودارفور وأجزاء من كردفان والجزيرة يرفع مخاطر الانهيار الكامل للخدمات الأساسية، من الصحة والتعليم إلى الغذاء ومياه الشرب.

كان مشروع القرار يهدف إلى الضغط من أجل هدنة فورية، وضمان حماية السكان، وتسهيل وصول الإغاثة، والتأكيد على ضرورة احترام القانون الدولي الإنساني. غير أن التصويت كشف مرة أخرى محدودية قدرة مجلس الأمن على التحرك عندما تتعارض المصالح السياسية للدول الكبرى مع الحاجة العاجلة إلى وقف الحرب.

ولا يعني سقوط مشروع القرار انتهاء الجهود الدبلوماسية، لكنه يبعث رسالة سلبية إلى الأطراف المتحاربة، مفادها أن الطريق إلى تسوية ملزمة لا يزال محفوفاً بالعقبات. وفي المقابل، يزداد العبء على المبادرات الإقليمية والوسطاء، مع ضرورة تحويل الدعوات العامة إلى خطوات عملية قابلة للتنفيذ.

تفاصيل التصويت وموقف القوى الدولية

حظي مشروع القرار بتأييد غالبية أعضاء مجلس الأمن، في إشارة إلى وجود توافق واسع على خطورة الوضع الإنساني وضرورة وقف الأعمال القتالية. إلا أن اعتراض روسيا، العضو الدائم في المجلس، أسقط النص وفق قواعد التصويت المعمول بها، إذ يكفي اعتراض عضو دائم واحد لمنع اعتماد أي قرار جوهري.

وبررت موسكو موقفها بتحفظات تتعلق بصياغة المشروع وبمدى ملاءمة بعض بنوده للواقع السوداني، بينما رأى مؤيدو القرار أن هذه المبررات لا تبرر تعطيل دعوة واضحة إلى حماية المدنيين وفتح الممرات الإنسانية. وقد أعاد التصويت إلى الواجهة الجدل بشأن استخدام الفيتو في الأزمات التي تتطلب استجابة سريعة.

ويكشف الموقف الدولي أن الخلاف لا يقتصر على تفاصيل تقنية في نص القرار، بل يمتد إلى تصور كل طرف لطبيعة الأزمة السودانية، وحدود التدخل الخارجي، والجهة التي ينبغي أن تتحمل مسؤولية فرض الهدنة. وتتشابك هذه الحسابات مع منافسة دولية على النفوذ في البحر الأحمر والقرن الأفريقي، فضلاً عن المصالح الاقتصادية والأمنية المرتبطة بالسودان.

حرب السودان بين الميدان والوساطة

اندلعت الحرب في أبريل 2023 على خلفية صراع على السلطة وترتيبات الانتقال السياسي، وتحولت سريعاً إلى نزاع واسع بين الجيش وقوات الدعم السريع. وأدى القتال إلى تفكك مؤسسات الدولة في مناطق عدة، وتراجع قدرة السلطات على تقديم الخدمات، وانتشار جماعات مسلحة وشبكات تهريب تستفيد من الفوضى.

ورغم تعدد المبادرات، لم تتمكن الوساطات من تثبيت وقف دائم لإطلاق النار. فقد تعثرت الهدن السابقة بسبب غياب آليات رقابة فعالة، وانعدام الثقة بين الطرفين، واستمرار تدفق السلاح والتمويل. كما أن بعض الاتفاقات بقيت حبراً على ورق لأن القوى الميدانية لم تكن مستعدة للتنازل عن مواقعها أو قبول ترتيبات سياسية تقلص نفوذها.

وتشير تغطيات إقليمية منشورة في منصة صحفية مغاربية إلى أن الأزمات العربية لا يمكن فصلها عن محيطها الجغرافي والسياسي، وهو ما ينطبق على السودان بدرجة كبيرة. فالحرب تؤثر في دول الجوار عبر موجات اللجوء، وتجارة الحدود، وحركة السلاح، كما تستقطب اهتمام قوى خارجية ترى في موقع السودان ورقة استراتيجية مهمة.

الكلفة الإنسانية لتعطل الهدنة

يدفع المدنيون الثمن الأكبر لاستمرار القتال. فقد أدت المعارك إلى نزوح ملايين الأشخاص داخل البلاد وخارجها، بينما يعيش عدد كبير من السكان في مخيمات أو مناطق تفتقر إلى الغذاء والرعاية الصحية والحماية. وتواجه المنظمات الإنسانية صعوبات في الوصول إلى المحتاجين بسبب انعدام الأمن، وإغلاق الطرق، وفرض قيود إدارية على حركة فرق الإغاثة.

وتحذر وكالات الأمم المتحدة ومنظمات دولية من اتساع نطاق الجوع والأمراض، خصوصاً في المناطق التي دمرت فيها البنية الصحية أو توقفت فيها الأسواق. ويزيد موسم الأمطار من صعوبة الأوضاع، إذ تتضرر الطرق والجسور، وتنتشر الأمراض المرتبطة بالمياه، ويصبح نقل الإمدادات أكثر كلفة وخطورة.

كما يهدد استمرار الحرب جيلاً كاملاً من الأطفال. فإغلاق المدارس أو تحويلها إلى ملاجئ، وانقطاع الرواتب، وفقدان الوثائق الرسمية، كلها عوامل تدفع الأسر إلى الفقر وتزيد احتمالات عمالة الأطفال والزواج المبكر والتجنيد القسري. ولا تقتصر الحاجة على المساعدات الغذائية، بل تشمل حماية المدنيين، والدعم النفسي، وإعادة تشغيل المؤسسات التعليمية والطبية.

ويحتاج إيصال المساعدات إلى ضمانات واضحة من الطرفين، وليس إلى بيانات سياسية فقط. فالممرات الإنسانية لا تكون فعالة ما لم ترافقها ترتيبات ميدانية، وتحديد للطرق الآمنة، وآلية للتحقق من احترام الاتفاقات، ومحاسبة الجهات التي تستهدف العاملين في الإغاثة أو تعرقل وصول القوافل.

انعكاسات الفشل على الإقليم

يعزز تعثر القرار مخاوف دول الجوار، التي تواجه ضغوطاً متزايدة بسبب استقبال اللاجئين وتراجع التجارة العابرة للحدود. وتتحمل تشاد ومصر وجنوب السودان وإثيوبيا وليبيا أعباء أمنية واقتصادية متفاوتة، في وقت تعاني فيه هذه الدول أصلاً من تحديات داخلية وتوترات سياسية أو أمنية.

كما يرتبط الصراع السوداني بأمن البحر الأحمر، حيث يمكن أن تؤثر الفوضى في حركة الملاحة، والموانئ، وسلاسل الإمداد. ومع استمرار القتال، تزداد فرص توسع الاقتصاد غير الرسمي وتهريب الذهب والسلاح والوقود، بما يضعف سلطة الدولة ويمنح الجماعات المسلحة موارد إضافية لإطالة أمد الحرب.

ولا تقتصر التداعيات على السودان وحده؛ فالاضطرابات الإقليمية تتفاعل في ما بينها، كما يظهر في أزمات الطاقة والمعيشة التي تستنزف المجتمعات العربية. وتوضح تجربة أزمة الوقود اللبنانية كيف يمكن لأزمة محلية أن تتحول إلى ضغط واسع على النقل والخدمات والأسواق، وهي مخاطر قد تتضاعف في السودان مع تدمير البنية التحتية وتعطل سلاسل التوريد.

ويظل خطر تفكك الدولة من أخطر النتائج المحتملة. فكلما طال أمد الحرب، صار توحيد المؤسسات الأمنية والإدارية أكثر صعوبة، وبرزت سلطات محلية متنافسة. وهذا يجعل أي اتفاق سياسي لاحق بحاجة إلى ترتيبات دقيقة لإعادة بناء الجيش، ودمج المقاتلين، وضمان تمثيل الأقاليم، ومنع عودة الصراع بأشكال جديدة.

ما المطلوب بعد سقوط مشروع القرار

لا يكفي انتظار جولة تصويت جديدة في مجلس الأمن، إذ إن حماية المدنيين تحتاج إلى تحرك متوازٍ على المستويات الدولية والإقليمية والمحلية. ويمكن أن تركز الجهود المقبلة على مسارات عملية محددة:

ويحتاج أي مسار تفاوضي إلى معالجة جذور النزاع، لا الاكتفاء بترتيب هدنة مؤقتة. فوقف إطلاق النار ينبغي أن يكون مدخلاً إلى اتفاق سياسي شامل، يحدد مستقبل المؤسسات العسكرية، ويضمن خضوعها للسلطة المدنية، ويضع برنامجاً لإعادة الإعمار وجبر الضرر ومحاسبة المتورطين في الانتهاكات.

كما يتعين على المجتمع الدولي إرسال رسالة واضحة بأن تعطيل القرارات لا يعني غياب المسؤولية. فحتى في ظل عجز مجلس الأمن، يمكن للدول والمنظمات استخدام أدوات أخرى، مثل التحقيقات المستقلة، وتوثيق الانتهاكات، ودعم المحكمة الجنائية الدولية، وتمويل المساعدات، والضغط على الجهات التي توفر السلاح أو الموارد للأطراف المتحاربة.

يبقى السودان أمام لحظة حاسمة: إما أن يتحول الفشل الدبلوماسي إلى دافع لإعادة تنظيم الجهود، أو يصبح دليلاً إضافياً على تطبيع الحرب. إن متابعة التطورات، ونقل أصوات المدنيين، ومساءلة الأطراف الدولية والمحلية، عناصر ضرورية لإبقاء الأزمة حاضرة في الوعي العام وعدم السماح بتحولها إلى مأساة منسية. تابعوا التغطيات الموثوقة والتحليلات المتخصصة لفهم مسار الحرب وتداعياتها على السودان والمنطقة.