محادثات السلام اليمنية أمام اختبار الرفض الحوثي

تدخل محادثات السلام اليمنية مرحلة أكثر تعقيداً بعد رفض جماعة الحوثيين مقترحاً أممياً يهدف إلى تثبيت التهدئة وفتح الطريق أمام تسوية سياسية شاملة. ويعيد هذا الموقف ملف الحرب إلى دائرة التجاذب، في وقت لا تزال فيه البلاد تعاني آثار الانقسام السياسي والاقتصادي والإنساني الممتد منذ سنوات.

ويحمل التعثر الجديد دلالات تتجاوز الخلاف حول بنود محددة؛ إذ يكشف استمرار الفجوة بين أولويات الأطراف المحلية وحسابات القوى الإقليمية والدولية. وبينما تسعى الأمم المتحدة إلى صياغة أرضية مشتركة، يطالب الحوثيون بضمانات أوسع وترتيبات اقتصادية وسياسية يرون أنها ضرورية قبل الالتزام بأي مسار تفاوضي دائم.

تفاصيل المقترح الأممي وموقف الحوثيين

يرتكز المقترح الذي قُدم عبر القنوات الأممية على مجموعة من الإجراءات المتدرجة، تبدأ بتثبيت وقف إطلاق النار، وتسهيل حركة المدنيين والبضائع، ومعالجة الملفات الاقتصادية الأكثر إلحاحاً. كما يرتبط المسار المقترح باستئناف محادثات مباشرة بين الأطراف اليمنية، وصولاً إلى ترتيبات سياسية تضع حداً للانقسام المؤسسي.

لكن جماعة الحوثيين أبدت تحفظات على الصيغة المطروحة، معتبرة أنها لا تعالج بصورة كافية القضايا التي تضعها في مقدمة شروطها، ومنها دفع رواتب الموظفين، وفتح الطرق والمنافذ، وإنهاء القيود المفروضة على الموانئ والمطارات. وتخشى الجماعة أن يؤدي القبول بترتيبات جزئية إلى تثبيت مكاسب الأطراف الأخرى من دون ضمانات واضحة بشأن الملفات الاقتصادية والسيادية.

في المقابل، ترى أطراف يمنية ودولية أن رفض المقترح يعرقل فرصة نادرة للبناء على الهدوء النسبي الذي شهدته جبهات عدة خلال الفترة الماضية. وتشير هذه الأطراف إلى أن أي تسوية لا يمكن أن تبدأ من معالجة كل الخلافات دفعة واحدة، بل تحتاج إلى خطوات متتابعة تقيس مدى التزام كل طرف وتمنع العودة إلى التصعيد.

حسابات سياسية تتجاوز نص الاتفاق

ينظر الحوثيون إلى المفاوضات باعتبارها جزءاً من صراع أوسع على شكل الدولة اليمنية وموازين القوة فيها. لذلك لا يتعاملون مع المقترح الأممي بوصفه اتفاقاً فنياً لوقف القتال فقط، بل يربطونه بمستقبل السلطة والموارد وموقع الجماعة في أي نظام سياسي قادم. هذا الربط يجعل التنازلات الأولية أكثر صعوبة، خصوصاً في ظل غياب الثقة بين الأطراف.

وتواجه الحكومة اليمنية والقوى المناهضة للحوثيين بدورها ضغوطاً داخلية. فهذه القوى تختلف حول طبيعة المرحلة الانتقالية، وتقاسم النفوذ، وترتيبات إدارة المناطق، كما أن تعدد مراكز القرار يضعف قدرتها على تقديم موقف موحد في المفاوضات. ويمنح هذا التباين الحوثيين مساحة للمناورة، لكنه يهدد كذلك بإطالة أمد الأزمة.

أما الوسطاء الإقليميون، فيحاولون منع انهيار التهدئة وتحويلها إلى مسار سياسي قابل للاستمرار. غير أن الملفات اليمنية باتت متأثرة بتوترات المنطقة، وأمن الملاحة في البحر الأحمر، والعلاقات بين القوى الدولية والإقليمية. وكلما اتسعت هذه العوامل، أصبح الوصول إلى تفاهم يمني خالص أكثر صعوبة.

الاقتصاد والملف الإنساني في قلب الأزمة

لا يمكن فصل التعثر السياسي عن الانهيار الاقتصادي الذي يضغط على ملايين اليمنيين. فقد أدى انقسام المؤسسات النقدية، وتراجع الإيرادات، وتعطل صادرات النفط، وتعدد السلطات المالية، إلى ارتفاع كلفة المعيشة وتراجع القدرة الشرائية. كما أسهم اختلاف أسعار الصرف بين المناطق في تعقيد حركة التجارة وتحويلات العاملين.

ويمثل ملف رواتب الموظفين أحد أكثر القضايا حساسية. فالخلاف لا يتعلق بالدفع فقط، بل بمصدر التمويل، وقوائم المستحقين، والعملة المستخدمة، والجهة التي تتولى الإدارة. ويحتاج أي اتفاق في هذا المجال إلى آلية شفافة تضمن وصول الأموال إلى المدنيين بعيداً عن استخدام الرواتب أداة ضغط سياسية أو عسكرية.

تتزامن هذه الأزمة مع أعباء إنسانية متراكمة في المنطقة، إذ تسببت الكوارث والنزاعات في موجات نزوح واحتياجات واسعة للمساعدات، كما يوضح تقرير عن ضحايا الزلزال في تركيا وسوريا. وفي اليمن، يعني أي تأخير في فتح الطرق وتسهيل الإمدادات استمرار معاناة المرضى والطلاب والأسر التي تعتمد على المساعدات.

انعكاسات التعثر على المدنيين

يخشى السكان أن يؤدي فشل المفاوضات إلى عودة الضربات والهجمات العابرة للحدود، بعد فترة من انخفاض مستوى العنف مقارنة بالسنوات السابقة. وتبقى الذاكرة القريبة للحرب حاضرة في المدن والقرى، حيث تسببت المواجهات في تدمير البنية التحتية، وتعطيل التعليم، وإضعاف الخدمات الصحية والمياه والكهرباء.

كما قد ينعكس التعثر على حرية التنقل. فإغلاق الطرق أو استمرار القيود على المطارات والموانئ يرفع كلفة السفر ونقل السلع، ويجعل الوصول إلى العلاج أو فرص العمل أكثر تعقيداً. وتتحول هذه القيود إلى عبء يومي على العائلات، لا سيما في المناطق البعيدة عن المراكز الحضرية.

وتحتاج المنظمات الإنسانية إلى بيئة أكثر استقراراً لتوسيع عملياتها وضمان وصول المساعدات إلى مستحقيها. لكن تراجع التمويل الدولي، وتعدد الجهات المسيطرة، وصعوبة الحصول على التصاريح، كلها عوامل تحد من قدرة الإغاثة على الاستجابة. وتبقى التغطيات الإخبارية الإقليمية، ومنها ما تنشره منصة أمبينيتي الإخبارية، مهمة لمتابعة أثر التطورات السياسية على الحياة اليومية في المنطقة.

فرص الوساطة الأممية وحدودها

تملك الأمم المتحدة أدوات دبلوماسية مهمة، من بينها التواصل مع الأطراف، وتقديم صيغ وسط، وحشد الدعم الدولي لأي اتفاق. غير أن الوساطة لا تستطيع فرض تسوية إذا لم تتوافر إرادة سياسية محلية، أو إذا اعتقد أحد الأطراف أن الوقت يعمل لمصلحته. ولهذا، فإن رفض المقترح لا يعني بالضرورة انتهاء الجهود، لكنه يفرض إعادة صياغة الأولويات والضمانات.

قد يكون المسار الأكثر واقعية هو تقسيم الاتفاق إلى مراحل واضحة، بحيث يرتبط كل إجراء بنتيجة قابلة للقياس. ويمكن البدء بوقف التصعيد، وفتح الطرق الرئيسية، وتسهيل مرور المساعدات، ثم الانتقال إلى الملفات الاقتصادية والسياسية الأكثر تعقيداً. هذا الأسلوب يخفف مخاوف الأطراف من تقديم تنازلات غير قابلة للاسترداد.

وتحتاج الوساطة كذلك إلى توسيع نطاق المشاركة اليمنية. فالأحزاب والسلطات المحلية والنساء والشباب والمجتمع المدني لا ينبغي أن يبقوا خارج النقاش، لأن أي اتفاق يقتصر على القوى المسلحة قد يواجه رفضاً شعبياً أو يعجز عن معالجة جذور الصراع. كما أن إشراك المكونات المحلية يساعد على تحويل التهدئة من تفاهم مؤقت إلى ترتيبات قابلة للحياة.

ما الذي يمكن أن يمنع انهيار المسار؟

يتطلب تجاوز الرفض الحوثي تقديم ضمانات متبادلة، لا الاكتفاء بصياغة عامة حول وقف النار. فالضمانات ينبغي أن تحدد آليات المراقبة، ومسؤولية خرق الاتفاق، وطريقة حل الخلافات، والجدول الزمني لتنفيذ البنود. وكلما كانت التفاصيل أوضح، تراجعت فرص استخدام الغموض لتبادل الاتهامات.

كما أن تحسين الأوضاع الإنسانية قد يشكل مدخلاً عملياً لاستعادة الثقة. فتح الطرق، وتسهيل الرحلات الجوية، والسماح بدخول السلع، ودفع الرواتب، إجراءات لها أثر مباشر ويمكن اختبار نتائجها سريعاً. ولا يعني ذلك تجاوز القضايا السياسية، بل خلق مناخ يساعد على مناقشتها بعيداً عن ضغط الاحتياجات الأساسية.

أولويات قابلة للتنفيذ

يبقى نجاح هذه الخطوات مرتبطاً بقدرة الوسطاء على الجمع بين الضغط الدبلوماسي والحوافز العملية. فالبيانات السياسية وحدها لن تكفي لإقناع الأطراف، كما أن العقوبات أو التهديدات قد تدفع إلى مزيد من التشدد إذا لم تترافق مع مسار تفاوضي يضمن المصالح الأساسية لكل طرف.

إن تعثر المحادثات لا ينبغي أن يتحول إلى إعلان جديد عن استحالة السلام في اليمن. فالبديل هو استمرار الانقسام وتآكل مؤسسات الدولة واتساع دائرة الفقر والنزوح. وتحتاج المرحلة المقبلة إلى متابعة دقيقة للمواقف، ومساءلة الأطراف عن التزاماتها، وإبقاء القنوات مفتوحة حتى في أكثر لحظات الخلاف توتراً. تابعوا التطورات السياسية والإنسانية في اليمن عبر تغطية موثوقة تضع احتياجات المدنيين في مقدمة المشهد.