مفاوضات إيران النووية مع الوكالة الدولية: مسار حذر بين التعثر والانفراج

تعود جذور الخلاف النووي الإيراني إلى أكثر من عقدين من الزمن، حين بدأت طهران برنامجها لتخصيب اليورانيوم في ظل تصاعد التوترات مع القوى الكبرى. وقد مر الملف بمراحل متعددة، من اتفاق 2015 المعروف باسم "خطة العمل الشاملة المشتركة" إلى انسحاب واشنطن الأحادي منه عام 2018، ثم المحاولات المتقطعة لإحيائه منذ عام 2021.

تكتسب المفاوضات الراهنة بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية أهمية خاصة، نظراً لتعثر قنوات الحوار المباشر بين طهران وواشنطن. وتسعى الوكالة، بصفتها جهة فنية مستقلة، إلى توضيح مسائل عالقة تتعلق بأنشطة نووية لم تكشف عنها إيران، وهو ما يضع الطرفين أمام استحقاقات دقيقة.

تتداخل في هذه المفاوضات عوامل سياسية وأمنية وقانونية معقدة، إذ تتعامل طهران مع الملف كورقة تفاوضية مع الغرب، بينما تتعامل معها الوكالة الدولية كجهاز فني يُعنى بالتحقق من الالتزامات النووية. وفي ظل غياب آليات واضحة، تتأرجح المباحثات بين جولات من الاجتماعات الفنية وبيانات حذرة من الجانبين.

تسود في الأوساط الدبلوماسية توقعات متباينة، بين من يرى أن الباب لا يزال مفتوحاً أمام تفاهم جديد، ومن يعتبر أن الملفات الخلافية عميقة بما يكفي لتعقيد أي اتفاق وشيك. وبين هذين القطبين، تتواصل اللقاءات في فيينا وطهران على أمل تقريب وجهات النظر.

السياق التاريخي لتطور الملف النووي

شهدت القضية النووية الإيرانية تحولات جذرية منذ أوائل العقد الأول من الألفية الجديدة، حين أعلنت طهران عن قدراتها في تخصيب اليورانيوم بنسب متفاوتة. وقد فرض مجلس الأمن الدولي أربع دفعات من العقوبات الاقتصادية على إيران بين عامي 2006 و2010، في محاولة للضغط عليها للعودة إلى طاولة المفاوضات.

أثمرت الجهود الدبلوماسية التي قادها الأوروبيون وروسيا والصين في التوصل إلى اتفاق 2015، الذي أعفى إيران جزئياً من العقوبات مقابل قيود على برنامجها النووي وإشراف دولي عليه. غير أن انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق عام 2018 أعاد الأزمة إلى نقطة الصفر، وبدأت إيران تدريجياً في التراجع عن التزاماتها النووية الأساسية.

منذ عام 2021، تجددت مفاوضات فيينا بمشاركة غير مباشرة بين واشنطن وطهران، لكنها تعثرت بسبب مسائل تتعلق بنسب التخصيب، وتعويضات الإفراج عن أموال إيرانية مجمدة، وضمانات عدم الانسحاب من الاتفاق مرة أخرى. وفي هذا السياق المتشابك، تبرز أهمية الدور الذي تلعبه الوكالة الدولية كقناة تواصل فنية.

موقف الوكالة الدولية من مسار الحوار

تتولى الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ومقرها فيينا، مهام التحقق من الأنشطة النووية الإيرانية بموجب اتفاق الضمانات الشاملة والبروتوكول الإضافي. وقد أثارت تقارير المدير العام للوكالة، رافائيل غروسي، مراراً تساؤلات حول وجود مواد نووية غير معلنة في مواقع داخل إيران.

أعرب غروسي في مناسبات عدة عن أسفه لعدم إحراز تقدم ملموس في توضيح المسائل العالقة، رغم الزيارات المتكررة التي قام بها إلى طهران. وتصر الوكالة على ضرورة استئناف التحقيقات في منشآت مثل تورقوز آباد وورامين، وهو ما ترفضه إيران باعتباره يتجاوز صلاحياتها كطرف متعاون.

تسعى الوكالة إلى الحفاظ على دورها الفني بعيداً عن التجاذبات السياسية، لكنها تجد نفسها في صلب خلافات تتجاوز نطاقها. وتؤكد تقاريرها على أن أي تسوية سياسية يجب أن تستند إلى بيانات موضوعية وتقارير ميدانية، وهو ما يجعل المفاوضات الحالية أكثر تعقيداً.

أبرز بنود الخلاف بين الطرفين

تحتوي طاولة المفاوضات على عدة ملفات شائكة، أبرزها طلب الوكالة الحصول على تفسيرات لآثار يورانيوم عُثر عليها في مواقع لم تُعلن عنها إيران سابقاً. كما تتضمن القضايا الخلافية مستوى الوصول الذي تمنحه طهران للمفتشين الدوليين، ومدى التزامها بالبروتوكول الإضافي.

تطالب إيران من جهتها برفع كامل للعقوبات الأميركية المفروضة عليها، وضمانات بعدم التلاعب بالمفاوضات مستقبلاً، وهو ما تصفه واشنطن بأنه غير ممكن قبل استئناف طهران التزاماتها النووية كاملة. وفي وسط هذه الحلقة المفرغة، تتأرجح مواقف الطرفين بين التشدد والمرونة.

تشير مصادر دبلوماسية إلى أن غياب الثقة المتبادلة يمثل العائق الأكبر أمام أي تقدم، إذ تتهم إيران الوكالة بالانحياز، بينما تتهمها الوكالة بعرقلة عمل المفتشين. ويبقى ملف تخصيب اليورانيوم بنسبة 60% من أكثر الملفات إثارة للقلق الدولي.

التأثيرات الإقليمية على المفاوضات

لا تنفك التطورات الإقليمية عن لعب دور مؤثر في مسار هذه المفاوضات، إذ تدفع التوترات في الشرق الأوسط الأطراف إلى إعادة حساباتها. وتسعى دول الخليج إلى طمأنة المجتمع الدولي بشأن برامجها النووية السلمية في مقابل أي نشاط إيراني مقلق.

في هذا السياق المتشابك، تتنوع الملفات التي تشغل الرأي العام العربي بين المفاوضات النووية ومسائل إنسانية ملحة، مثل متابعة ارتفاع حصيلة ضحايا الزلزال في تركيا وسوريا إلى أكثر من 50 ألف قتيل، وهو ما يعكس تعدد الاهتمامات في المنطقة وتداخل أولوياتها.

تدرك طهران أن أي اتفاق جديد يجب أن يأخذ في الاعتبار مخاوف دول الجوار بشأن الأمن الإقليمي، خاصة مع تصاعد التوترات في الخليج والبحر الأحمر. ولذلك، تسعى إلى ربط المفاوضات النووية بترتيبات أمنية أوسع، وهو ما يضيف بعداً جديداً للحوار.

المسارات الدبلوماسية لكسر الجمود

تتنامى الدعوات إلى البحث عن مسارات بديلة لكسر الجمود الحالي في المفاوضات، سواء من خلال وساطات إقليمية أو مبادرات ثنائية. وقد برزت في الآونة الأخيرة جهود سلطنة عمان وقطر، إضافة إلى زيارات قام بها مسؤولون أوروبيون إلى طهران لبحث سبل إحياء الحوار.

تقترح بعض الأوساط خيار الاتفاق المرحلي، الذي يقتصر على خطوات أولية مقابل إعفاءات مؤقتة من بعض العقوبات. ويتيح هذا الخيار اختباراً لجدية الطرفين دون الدخول في تفاصيل شاملة. لكن معارضة التيارات المتشددة في إيران والغرب تحد من فرص تبنيه.

يضاف إلى ذلك الدور الذي تلعبه روسيا والصين كوسيطين محتملين، في ظل الأزمة الأوكرانية المتصاعدة التي أضعفت قدرة موسكو على التحرك بحرية. وبالتالي، تبقى القنوات الفنية للوكالة الدولية هي الأنشط حالياً، على أمل أن تفضي إلى تفاهمات ملموسة.

السيناريوهات المستقبلية للمفاوضات

في ضوء المعطيات الراهنة، يمكن تصور عدة سيناريوهات للمفاوضات النووية الإيرانية، يتراوح بعضها بين التفاؤل والتشاؤم. ويعتمد مسار كل سيناريو على متغيرات داخلية وخارجية تتصل بالأوضاع السياسية في طهران وواشنطن والغرب.

من المرجح أن يستمر التواصل بين إيران والوكالة الدولية في الأشهر القادمة، لكن دون اختراقات كبرى ما لم تتغير الأولويات الدولية. كما أن التطورات في الملف الأوكراني والانتخابات الأميركية قد تدفع إلى إعادة حسابات في واشنطن وطهران.

في نهاية المطاف، يبقى مستقبل هذه المفاوضات رهيناً لإرادة سياسية تتجاوز الحسابات الضيقة، وإلى قدرة الأطراف على بناء جسور ثقة حقيقية. وفي غياب هذه العوامل، ستستمر الحلقة المفرغة من التصعيد والتراجع المتبادل.

ملفات رئيسية على طاولة المفاوضات

مسارات محتملة لتطور المحادثات

تظل المفاوضات الإيرانية مع الوكالة الدولية رهينة لتفاعلات معقدة تتجاوز الجانب الفني، إذ تتداخل فيها حسابات سياسية وأمنية واقتصادية. ويترقب المراقبون أي تطور قد يقلب الموازين، سواء جاء من طهران أو فيينا أو العواصم الكبرى.

لمتابعة آخر التطورات الإقليمية والدولية لحظة بلحظة، يمكنكم زيارة موقع القائد نيوز والاستفادة من تغطياته المتعمقة للشأن النووي والسياسي في المنطقة.